واصف جوهرية
مقدمة 23
القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية
نرى اختلاطا كبيرا بين الجماعات الدينية في كل حي . وعلى الصعيد الآخر ، فإن الوحدة الانتمائية الأساسية في البلدة القديمة كانت المحلة ، شبكة الأحياء ذات التخوم الاجتماعية ، التي أبدى الناس داخلها درجة عالية من التضامن بين الجماعة السكانية . وقد تم التعبير عن مثل هذا التماسك بالزيارات الدورية والمشاركة في الطقوس ، بما فيها الأعراس والجنائز ، كما بالمشاركة النشيطة في الأعياد الدينية . وهذا التضامن يضعف ثبات النظام الطائفي الموروث من حقب ما قبل الحداثة . لكن الحدود الطائفية كانت تتزعزع أيضا جراء نهوض الحركة الوطنية في فلسطين : بداية في سياق الحركة الدستورية العثمانية في نهاية القرن ، وخصوصا بعد انقلاب سنة 1908 ، الذي تلقى الكثير من الدعم في دوائر المثقفين في القدس ، ولاحقا في الاتجاهات المناهضة للأتراك في إطار الحركة القومية لسورية الكبرى . ويمكن التقاط هذه التحولات في هذه المذكرات مصادفة وبصورة انتقائية . فجوهرية - الذي لم ينخرط في أي حركة سياسية ، لكنه كان عثمانيا وطنيا ثم لاحقا فلسطينيا وطنيا - كان يؤمن بوضوح بأن التحرك نحو الحداثة ( بما فيها التزام مبدأ الوطنية العثمانية ) مرتبط بالحراك السكني إلى خارج المدينة من جانب الطبقات الوسطى الصاعدة . « 1 » وكان أبناء الأعيان أسسوا قاعدة سكنية جديدة في الشيخ جراح إلى الشمال من المدينة ، وفي منطقة الوعرية إلى الجنوب منها ، منذ أواسط القرن التاسع عشر . « 2 » وفي أوساط السكان اليهود كانت حركة مماثلة حدثت من خلال بناء الأحياء الجديدة في مئا شعاريم ويمين موشيه ، مؤذنة بافتراق وحدة الحال ( الانتماء الوطني ) بين العربي الفلسطيني الحديث وبين الوعي الطائفي اليهودي ، حتى قبل ترسّخ الصهيونية في أوساط سكان المدينة اليهود . « 3 » وعلاقة جوهرية بالطائفة اليهودية في القدس هي أكثر تعقيدا . فروايته لا شك ملونة بذكريات ارتدادية متأثرة بالصدامات الطائفية في العشرينات وثورة 1936 مع الحركة الصهيونية ، وبمنظور تستدعيه أحداث نكبة 1948 . لكنه يعي أيضا فترة مختلفة ، إذ إنه في سن المراهقة كان يشارك في أحداث عيد البوريم ( التي يصفها بتفصيل كثير ، بما في ذلك الألبسة والأقنعة التي كان يرتديها هو وأخوه خليل ) ، وفي الترهات العائلية في فصل الربيع إلى مقام شمعون الصديق في وادي الجوز . كذلك يذكر عددا من العائلات السفارادية التي كانت عائلته على علاقات حميمة بها ، منها : إليشار ، وحزان ، وعينتيبي ، وماني ( من الخليل ) ، ونافون . وقد أقام واصف عدة حفلات موسيقية مع عدد من الموسيقيين اليهود ، « 4 » بمن فيهم شحاده ، عازف العود الخاص في فرقة بديعة مصابني . كما يذكر الدور البارز الذي أدته فرق من يهود حلب ، عرفوا باسم الدلّاتية ، والذين أقاموا بالقدس . وكان هؤلاء موسيقيي تخت ( كورس ) من السفاراديم أدوا موسيقى أندلسية في أعراس عرب القدس . « 5 » وقبل بداية الانتداب كان واصف يعزف في عدد من التجمعات السكانية اليهودية المحيطة بالقدس . « 6 » وفي إحدى هذه الوقائع كان يرافق على العود مجموعة كورس أشكنازية في بيت الخواجة سلمون الخياط [ هكذا ] في مونتفيوري ( المعروفة أيضا باسم يمين موشيه ) ، مؤدّيا ما يبدو أنه موسيقى شرقية . وكان أداء هذه المجموعة الهزلي للقطعة العربية المشهورة في حينه ( ناعم ناعم هالريحان ) مشوّها إلى حد أن واصف افترض أنها كانت " قصيدة شعبية أشكنازية جديدة . " وقد أصبح تقليده الساخر ، للصيغة الأشكنازية لهذه الأغنية ، اسكتشا يؤديه في حفلات ليلية لاحقة بطلب من الجمهور . ويضيف بحزن : " كان هذا قبل إعلان وعد بلفور سيئ الصيت " . « 7 »
--> ( 1 ) على الرغم من أن واصف كان في رعاية آل الحسيني بصورة واضحة ، فإنه لا يشير إلى تعاطفه مع الحزب العربي الفلسطيني الذي تزعموه في وقت لاحق . وعندما توفي وليّ أمره حسين الحسيني ألحق واصف نفسه براغب النشاشيبي ، خصم الحاج أمين ، من دون أن يعتبر نفسه منتميا إلى حزب الدفاع . وهذه التقلبات في موقف جوهرية يجب ألّا تفهم أنها مواقف انتهازية ، وخصوصا أن العائلتين كانتا تنظران إليه على أنه فنان وموسيقي ، ولم تتوقعا منه أية مواقف سياسية . في المقابل ، كتب إليّ جورج جوهرية ، من أثينا ، أن واصف كان مؤيدا متحمسا للحاج أمين ، وكذلك للقائد عبد القادر الحسيني . وفيما بعد ، أصبح واصف ناصريا . كما كان على علاقة جيدة بكل من فخري وراغب النشاشيبي - مع أنه كان ينتقد سياستهما المؤيدة للإنكليز بشدة . ( رسالة من أثينا بتاريخ 7 تموز / يوليو 2000 ) . ( 2 ) روشيل ديفيس ، " القدس العثمانية : نمو المدينة خارج الأسوار " في القدس 1948 : الأحياء العربية ومصيرها في حرب 1948 . تحرير سليم تماري ( بيروت : مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، والقدس : بديل ، 2003 ) ، صفحة 15 - 41 . ( 3 ) أنظر : Yehoshua Ben - Arieh , Jerusalem in the 19 th Century : Emergence of the New City ( Jerusalem : Yad Izhak Ben - Zvi , 1986 ) , pp . 152 - 172 . ( 4 ) أنظر صفحة 74 . ( 5 ) أنظر صفحة 149 . ( 6 ) أنظر صفحة 328 في المخطوطة الجوهرية . ( 7 ) أنظر صفحة 327 وما يليها في المخطوطة الجوهرية .